عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

492

اللباب في علوم الكتاب

أحدها : أنها في محلّ نصب صفة ثانية ل « رسولا » ، وجاء هذا على الترتيب الأحسن ، إذ تقدم ما هو شبيه بالمفرد ، وهو المجرور على الجملة . والثاني : أنها في محل نصب على الحال من « رسولا » ؛ لأنه لما وصف تخصص . الثالث : أنها حال من الضمير في « منهم » ، والعامل فيها الاستقرار الذي تعلّق به « منهم » لوقوعه صفة . وتقدم قوله : « الْعَزِيزُ » ؛ لأنها صفة ذات ، وتأخر « الْحَكِيمُ » ؛ لأنها صفة فعل . ويقال : عزّ يعزّ ، ويعزّ ، ويعزّ ، ولكن باختلاف معنى ، فالمضموم بمعنى « غلب » ، ومنه : وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ ص : 23 ] . والمفتوح بمعنى [ الشدة ، ومنه : عزّ لحم الناقة ، أي : اشتد ، وعزّ عليّ هذا الأمر ، والمكسور بمعنى ] « 1 » النّفاسة وقلّة النظير . فصل في الكلام على دعاء سيدنا إبراهيم اعلم أن هذا الدعاء يفيد كمال حال ذرّيته من وجهين : أحدهما : أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع . والثاني : أن يكون المبعوث منهم لا من غيرهم ، لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معا من ذريته ، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها ، وإذا كان منهم ، فإنهم يعرفون مولده ومنشأه ، فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه ، وأمانته ، وكان أحرص الناس على خيرهم ، وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم . أجمع المفسرون على أن الرسول هو محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى » « 2 » . وأراد بالدعوة هذه الآية ، وبشارة عيسى عليه الصلاة والسلام ما ذكره في سورة « الصف » من قوله : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] . وثالثها : أن إبراهيم - عليه السّلام - إنما دعا بهذا الدعاء ب « مكة » لذريته الذين يكونون بها ، وبما حولها ، ولم يبعث اللّه تعالى إلى من ب « مكة » وما حولها إلّا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كل الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - من بني

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 4 / 127 - 128 ) . وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( 1 / 69 ) . وابن سعد في الطبقات ( 1 / 1 / 96 ) - وابن عساكر : 1 / 39 . والطبري في التفسير ( 1 / 435 ) - وذكره القرطبي في التفسير 2 / 131 - والسيوطي في الدر المنثور : 1 / 139 ، 5 / 207 - والهندي في كنز العمال حديث رقم 31833 ، 31834 ، 31835 ، 31889 .